السيد محمد حسين الطهراني

48

معرفة المعاد

إلى أعيان الموجودات ، ولن يشاهد شيئاً غير الوحدة . فتكون الوحدة - إذ ذاك - حاجباً عن الكثرة . فالسالك قد أغمض عينه عن مشاهدة الكثرة بواسطة استغراقه في مشاهدة الوحدة . ومرتبة هذا المنزل في السلوك الحاليّ بمرتبة السفر الأوّل للسالك العارف ، الذي ذكره الملّا صدرا في كتابه ، وهو السفر من الخلق إلى الحقّ ، أي من الكثرة إلى الوحدة . وحين يصل السالك إلى عالم الوحدة فيحجب عن مشاهدة الكثرة ، فإنّه يستدل - من خلال السلوك العلميّ - بذات الحقّ على أوصاف الحقّ وأسمائه وأفعاله الواحد بعد الآخر والمرتبة بعد المرتبة . وهذه الدرجة بمثابة السفر الثاني للسلوك الفعليّ ، وهو السفر في الحقّ بالحقّ . أمّا في الحقّ ، فلأنّ هذا السفر يمثّل سفراً في صفات الحقّ وأسمائه وخواصّه ؛ وأمّا بالحقّ ، فلأنّ السالك يتجسّد في هذه الحال بحقيقة الحقّ ، ويخرج من إنّيّة ووجود جميع كثرات العالم وأعيانه الخارجيّة . وكثيراً ما يحصل في هذه المرحلة أن ينشرح صدر السالك وتُحلّ عُقدة من لسانه ، فيلاحظ الوحدة في الكثرة كما يلاحظ الكثرة في الوحدة ، دون أن يحجب أحدهما الآخر ، ويصبح السالك جامعاً لكلا النشأتينِ وبرزخاً بين المقامينِ ، وتصبح له - من ثمّ - قابليّة تعليم الناقصين وإرشاد ضعفاء العقول والنفوس . ومنزلة هذه الدرجة من السلوك الحالي والعمليّ بمثابة السفر الثالث ، وهو السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ . وهذه المرحلة أعلى ممّا سبقها . وهناك مرحلة أخرى أدقّ وأتقن وأكمل ، وهي الاستدلال على الحقّ بوجود الحقّ ووجود غير الحقّ . بحيث تنعدم الواسطة - في البرهان - لوجوده ووجود غيره . وقد دُعي هذه البُرهان ب - بُرهان لِمّ وطريقة